1
قرب صلاه الفجر ايقظت سياره الاسعاف اهالي منطقه الخليفه التي توقفت عند منزل الاستاذ عبد الكريم فصعد دكتور الاسعاف واصطحب معه السرير ونزل بمساعديه حاملين المهندس عمرو عبد الكريم وهو فاقد الوعي حملوه الي مستشفى احمد ماهر التعليمي وبعد ساعه من وصوله انتقل الي رحمه الله فصرخت امه وحاول والده ان يتماسك ولكنه لم يستطع فنهار من البكاء ، بعدها تم تجهيز الجسمان وتغسيله حتى حان موعد صلاه الظهر فصلوا عليه ثم حملوه الي مدافن الامام الشافعي ودفن .
2
عند دفنه اخذ احمد عصام الدين صديق عمره يتذكر ذكرياته معه ويتحصر على فراقه فقد تخرجا سويا من مدرسه الخديويه الثانويه بمجموع 98 % مكنهم من دخول كليه الهندسه التي كانت حلمهم منذ ان كانوا صغار ؛ وبعد ان حصل عمرو على ذلك المجموع شعر بفضل الله عليه وشعر بالخجل من تقصيره في طاعته فقرر ان يحافظ على الصلاه في المسجد واثناء نزوله للصلاه كان يصطدم بمحمود الشاذلي الذي كان يسلم على من يراه مثله تارك اللحيه وبجلباب وفي كل مره يراه فيها يقول " ازيك ياعمرو ماتيجي تصلي معايا في مسجد ال عمران هي زاويه صغيره وبعيده شويه بس كل خطوه حتأخذ عليها حسنه وكمان حتتعرف هناك على ناس صالحه ويحل عليك بركه الشيخ عبد الرحمن حمزه العالم الجليل" . كان الشيخ عبد الرحمن قد درس الفقه والعلوم الشرعيه على ايدي اكبر الأمه في السعوديه في السبعينات حيث ذهب الي هناك في اعاره كمدرس للغه العربيه ؛ دعاه محمود الي ان يحضر دروس الشيخ يوم الثلاثاء والخميس بعد صلاه العشاء فأستجاب عمرو بعد الالحاح عليه .
3
بعد فتره صغيره من سماع دروس الشيخ انسحب عمرو من الحياه شيئا فشيئا ولم يعد يريد الاختلاط بالناس زعما منه انهم على ضلال واكتفى فقط بذهابه الي المسجد وسماع محاضرات الشيخ الذي اعجب باسلوبه وكلامه الذي لم يرى ولا يسمع غيره حيث انه مل من خطاب امام المسجد الذي بجواره وهو احد شيوخ الازهر فهو الخطاب الذي لم يلبي حاجاته ولا يرى فيه غايته ؛ لم يعد يريد ان يذهب الي الكليه لعدم استطاعته التعايش مع الاخرين ورؤيه الفساد المنتشر في الجامعه وحرمات الله التي تنتهك علانيه فتعرض لموقف اجبره على عدم الذهاب الي الكليه مره اخرى حيث وجد مكان تجمع للشباب والفتيات في رمضان وقت صلاه الظهر فرفع صوته بشكل صارخ وقال " حرام عليكم انتوا مش بتتقوا ربنا ده احنا في رمضان ايه الفجور ده متروحوا تصلوا يمكن ربنا يغفر لكم " كانت طريقته فظه وغليظه دعت الشباب الي ان يتجمعوا حوله فكلمه بكلمه تطور الموقف سريعا ثم اغم عليه من شده الضرب ، كل ذلك ايقن في قلبه انه غريب في هذا المكان ، والذي ساعده على قرار عدم الذهاب مره اخرى هو ان الشيخ عبد الرحمن قال بان العلوم الواجب تعلمها هي العلوم الشرعيه فقط وان باقي العلوم هي علوم دنياويه علمانيه لايجوز للمسلم تعلمها ! تحول عمرو الي انسان اخر حتى انه ترك لحيته بشكل كثيف وارتدى الجلباب القصير تحت ركبته بشئ بسيط مما دعى والده يعلق على مظهره دائما ويقول " يابني هو يعني الدين مظهر ولحيه !؟ وبعدين بلدنا دي اللي ماسكنها ميعرفوش ربنا اصلا وبيستقصدوا كل واحد مربي ذقنه واحنا مش ناقصين " رد على والده بغلظه وقال " انا حر ربنا امرني اني اعمل كده يبقى ميهمنيش اي واحد يعني اعصي الخالق لأطيع المخلوق ! ".
4
لفت عمرو نظر شيخه الذي راى فيه حماسه وقوه ذكروه بشبابه فقربه اليه ودعاه لمنزله وهذا مالم يفعله الشيخ الا مع من يرى فيه شئ يستخدمه لغرض لايعلمه الا سواه لذلك قال له " اعمل حسابك ياشيخ عمرو انت باذن المولى عز وجل معزوم عندي يوم الجمعه على الغدا وايضا اريدك في امر هام " . كانت السفره عامره بكافه انواع اللحوم والطيور واطيب الخضروات ، ساد الصمت بينهم وانكسر بقول عمرو "الحمد لله سفره دائمه ياشيخي الجليل " كان السؤال الملح عليه من بدايه الجلسه ماذا يريد منه الشيخ ولماذا دعاه بمفرده ذلك السؤال الذي منعه من الاستمتاع بالطعام واثناء انشغاله بالتفكير قال له الشيخ "بص ياعمرو انا ملاحظ جهدك واصرارك وحماسك في الدعوه واخبارك دائما بتوصلني" قاطعه عمرو وقال " بتوصل لحضرتك من مين ؟" لم يرد عليه واكمل حديثه "عن حماسك وقوه ايمانك احنا عايزينك في مهمه لخدمه الدعوه انا شايف انك قادر عليها ، النظام الكافر ده لازم يخاف ويعرف ان دين ربنا اقوي من جبروته وطغيانه " استعجب عمرو وقال " عمليه ايه !؟" رد عليه وقال " انت عارف ان السياحه اللي عندنا دي سياحه وثنيه لازم نتخلص منها وحتى مساجدنا بيزورها سياح كفره فلازم يخافوا وميجوش تاني لانهم مينفعوش يدخلوا المنطقه دي ده بيت ربنا مش لعبه وفرجه !" وقف عمرو في مكانه واعترض بشده فنظر اليه الشيخ نظره تفحص ثم سكت لدقيقه كانه استعجل في قراره ولم يصب هدفه كلاعب البلياردوا الذي خاب في اصابه الكره فقال " طيب اهدى شويه وبراحتك ده مجرد عرض مش اكتر ". خرج عمرو من بيت الشيخ قاصدا بيت صديقه احمد عصام واخبره بما دار بينه وبين الشيخ فقال له احمد " يابني ده معروف انه امن الدوله وانا قلتلك قبل كده مائه مره وانت مش عايز تصدق " رد عمرو وقال " خلاص خلاص انا مش ححضر تاني دروسه وحكتفي بالصلاه بس وحضور الدروس الاخرى واللي عنده يعمله ".
5
في يوم خرج عمرو من المسجد بعد احدى الدروس فجاء اليه رجلين سألوه بغلظه " اسمك ايه؟ ، وفين بطاقتك ؟" اعطى لهم البطاقه واخذوا ينظروا اليها ثم اليه وقال احدهم " اقف هنا على جنب شويه " وقف في خوف خصوصا عندما راى تعامل هذين الرجلين مع باقي الاخوه بسوء ادب وقله ذوق وكثيرا باهانه وبعد حوالي ساعه ونصف نادى احد الرجلين وقال " انت شكلك راجل طيب وملكش في حاجه احنا اخذنا بياناتك وده مجرد روتين اتفضل روح " مشى عمرو في تفكير خصوصا انه اول مره يتعرض لهذا الموقف وجاء اليه هاجس ان يكون هذا من صنيعه الشيخ عبد الرحمن ولكن قال " لالالا مش للدرجه دي هو عرض عليا حاجه وانا موفقتش" .
6
بعد شهرين من ذلك الموقف حدث تفجير في منطقه الحسين الذي ارهب وارعب سكان المنطقه والسائحين الذين ياتوا اليها ليروا الابداع والاتقان المصري في الصناعه اليدويه ؛ راى عمرو اخبار تفجير الحسين في التليفزيون وتذكر الموقف الذي حدث مع الشيخ ولم يصدق ان هناك انسان يدين بالدين الاسلامي يقتل نفس بريئه بدون سبب واخذ يتناقش مع والده الذي قال له "الافعال دي بتنفر الناس من الدين وبتخوفهم منه ومش حيفكروا في الانجذاب له ديننا دين وسطي ومش متطرف ويدعوا الي الحب مش العنف " وانتهى النقاش بترديد والده " مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً " وبعد ان صدق الاستاذ عبد الكريم على كلام المولى عز وجل سمعوا طرق على الباب شديد ففتح الاستاذ عبد الكريم مسرعا وفي فزع فراي عده رجال قال اكبرهم الذي يبدوا عليه الهيبه " ده بيت عمرو عبد الكريم ؟" رد عمرو وقال "ايوه انا عمرو " وقبل ان ينتهى من كلامه كان الرجال منتشرين في الشقه قاصدين حجرته التي حرزوا منها بعض الكتب والشرائط الدينيه ثم قال ايمن باشا الجاحد هكذا نودي عليه من قبل احد الرجال " غير هدومك و تعالى معانا " ، رد والده في خوف " على فين يابني" قال " ساعه ياحاج وحيرجع مجرد شويه اسأله وحيرجعلك بالسلامه " نزل عمرو بمصاحبتهم وعند صعوده للسياره راى بعض الاخوه ومنهم محمود الشاذلي نظر الجميع الي بعضهم ولكنهم لم يتكلموا فقد كان الصمت سيد الموقف . امر احد رجال الامن الجميع بان يلبسوا غمامه سوداء كانت قد وزعت عليهم ، بعد حوالي ساعتين امروا ان ينزلوا من السياره وكانوا في استقبال " التشريفه" وهي كلاب الحراسه التي هجمت عليهم بشراسه بجانب الضرب والاجبار على خلع الملابس والسحف على بطونهم لدخول ساحه المعتقل فكانت تلك هي طقوس الاستقبال مجرد تخويف وارهاب حتى يساعد ذلك على انجاح مهمتهم بسهوله. استمر هذا الوضع ربع ساعه حتى فقد عمرو الوعي . ثم فاق بعدها فوجد نفسه في حجره مظلمه لايوجد بها شئ سوى مكتب صغير وكرسى يعلوه مصباح ويجلس امامه رجل في سن الاربعين ضخم الجثه يدخن سيجاره وقال بصوته الاجش القوي " ازيك ياعمرو ، معلش على اللي حصل معاك بس دي تعليمات واحنا عبد المأمور حنعمل ايه بس احنا عايزين نحافظ على مصر امنا كلنا ولا ايه ؟ " نظر عمرو في استغراب ودهشه وهو لايعلم ماذا يحدث له فقال " طبعا يافندم مصر دي امنا ولازم نحافظ عليها" رد الرجل بغلظه وبلهجه شديده " ومادام ياروح امك مصر امنا ليه فجرت وارهبت الناس ؟!" رد عمرو في دهشه" ااانا" قال " انت حتستعبط يابن القحبه ! قولي مين وراك في التفجير ده والا بشرفي حخليك تشوف اللي عمرك ماشفته الكلاب دي كانت مجرد قرصه ودن ، عايز عقبال لما السيجاره دي تخلص تقولي كل حاجه "كان عمرو في حيره ماذا يفعل وماذا يقول يقول ما لا يعرف عنه اي شئ استمر حديثه مع نفسه حتى انتهت السيجاره التي اطفأها الرجل في صدر عمرو ثم قال " انت كده مش عايز تتعاون معانا وحتضترنا في استعمال اساليب انت في غنى عنها " ثم نادى بصوت عالى وقال "ياعبد العال شوفوا شغلوكوا معاه" . كانت وسائل الضغط والتعذيب تصاعديه تبدا بالشتيمه والمهانه وارتداء ملابس حريمي والاجبار على النطق ويقول " انا مره" مرورا بالكهرباء في اماكن حساسه نهايا بهتك العرض ! فتم تجريده من ملابسه مع تعصيب العينين والتكبيل بالحديد من الخلف وطرحه وصعقه بالكهرباء في أماكن حساسة من جسده ثم صرخ من شده الالم فسمع صوت يقول له "مش عايز اسمع صوتك علشان صوتك بيزعج الباشا "، تركوه بعدها ليستريح ويأكل فكان الطعام يتم وضعه علي البلاط ليلحسه المعتقلين بألسنتهم إمعانا في الاذلال ، وكان من الحظ السئ أن أرضية الزنزانة منحدرة فكانت شوربة العدس تجري ناحية دورة المياه ! . بعدها بدقائق كان في استقبال مايسمى "حفله راس السنه" وهي حفله تعذيب جماعيه التي تتم على سطوح مبنى أمن الدولة، فيتم التعذيب بالأسلاك الكهربائية مع المياه، هى أبشع ما عانى منه . ثم تم نقله لاحدى الحجرات وهو معصوب العينين ثم سمع صوت يقول له " يابني ارحم نفسك وقول لنا مين اللي وراك احنا مسكنا عندك سديهات بتشرح ازاي تصنع قنبله " لم يستغرب عمرو ماقاله حيث ماتعرض له كان يجبره على تصديق اي كلمه تقال فهو راي انهم رجال متجردين من الانسانيه . صمت عمرو قليلا ثم قال " ياباشا انا معرفش حاجه انا واللهي في حالي " رد الرجل بغلظه وعنف شديد وقال " انت يابن القحبه بتحب التعذيب والاهانه طيب حتشوف دلوقتي انت حتعترف ازاي " فقال لاحد الامناء " هاتولي السرير " . جلس بمفرده في حجره صغيره يبكى حيث تم هتك عرضه بطريقه بشعه لم يستطع تحملها فأغمى عليه من شده الالم . بعدها بعده ايام نودي عليه من بين عده معتقلين لاخراجه من المعتقل لعدم ثبوت اي تهم عليه فعاد الي ابيه قرب صلاه الفجر وهو معصوب العينين وهو غير قادر على النطق باي كلمه فحتضنه والده وامه ثم اخذ حمام ساخن ونام .
7
استيقظ عمرو من نومه على اذان العصر فقد داعبه النوم كثيرا حتى نام ولم تفارقه صور التعذيب التي طاردته كالشبح . سمع الاذان ولم يصلي ، ظل جالسا على سريره في صمت حتى اذان المغرب وايضا لم يصلي وعند اذان العشاء دخل الحمام وحلق ذقنه ثم لبس ملابسه ونزل غير قاصد اي مكان فظل ماشيا في شوارع وسط البلد حتى راى بار مكتوب عليه " مطعم ومقهى الاندلس" دخل وهو غير واعي لنفسه جلس وطلب كأس من الخمر شرب الكأس الاول بدافع ان ينسى ماتعرض له فقد تعلم ذلك من افلام السينما واستمر في الشراب حتى لاحظه شخص كان يجلس بجواره فقال له " انت اول مره تشرب !؟ شكلك بيقول كده !" لم يرد عمرو بل اكتفى بالنظر اليه بابتسامه صغيره ثم بادر الشخص بالتعريف بنفسه " اسمى ايمن عتمان صاحب البار ده " لم يرد عمرو بل اكتفى ايضا بابتسامه تحيه ثم قال "اسمى عمرو عبد الكريم" استمر هذا الوضع لايام كثيره يأتي عمرو الي البار ويقابل اناس لايعرفهم ولا يعرفونه ويتكلم معهم ويشرب الخمر حتى مل من كثره مايفعله خصوصا انه لم يستطع ان ينسى ماتعرض له من تعذيب وهتك العرض فقال لايمن عتمان الذي اصبح صديقه فيما بعد "انا عايز شئ قوي يخليني ابعد عن الحياه وينسيني كل شئ شفلي اي حاجه ابوس ايدك " اخرج ايمن من جيب الجاكيت كيس صغير ممتلئ بدره بيضاء وقال " شم دي وانت حتنسى اسمك " ظل عمرو على هذا الوضع وفي يوم اشتد المه من قله المخدر في جسده فجرى على درج مكتبه واخرج كيس جلس يشم مافيه بطريقه هستيريه حتى وقع على الارض مغمى عليه استيقظت امه لتصلي الفجر فدخلت عليه لتطمأن فصرخت ونادت " الحقني ياعبده ابنك واقع على الارض مغمي عليه" جاء مسرعا ثم جرى على التليفون ليطلب الاسعاف ثم نقل الي المستشفي وبعد ساعه من الكشف والتحاليل خرج الدكتور وقال لوالديه "ابنكم تعرض لجرعه زائده من المخدرات البقاء لله ".

القصه رائعه و واقعيه جدا انا اعرف نماذج شبيهه لهذا النموذج, والكتابه جيده جدا.
ردحذفألابن العزيز محمد......أهنئك وأحييك على أحدث منتجاتك الادبيه الجميلة وهى افراز صادق وأمين وواقعى للماضى البائدالظالم بكل بطشه وجبروته وحيوانيته ودنائته وفظاعته!!!!! ولقد ولى غير مؤسوف عليه تطارده اللعنات وتصب فوق رؤؤس زبانيته دعوات وسخط وكراهية ونقمة ضحاياه واللذين لن نتنازل عن القصاص الآمين والعادل لهم جميعاو لينال جلاديهم العقاب والجزاء الرادع لما اقترفوه من جرائم يندى منها خجلا جبين النازية بكل وحشيتهاوفظاعتها وغلظتها ووقسوتها!!!!!المهم يا محمد أتمنى ان تكون مدونتك القادمه مختلفه عن تلك الانعكاسات الصادقه لكل ما عايشته من احداث تاريخيه فاصله وفارقه فى حياتنا ...يعنى يامحمد عايزك انت بنفسك تستحدث التجربه الملهمة لمدونتك الجديدة وبعيدا عن انعكاسات الاحداث والتى تؤثر فينا حميعا ولكن الكاتب الموهوب مثلك هو وحده وبأحترافيته وموهبته هو القادر داخل صومعته أستحداث الحدث الملهم لكتاباته وأبداعاته........ووفقك الله
ردحذفقصه رائعه اولا في اختيار الموضوع وفي عنوانها وايضا في تسلسل وتتابع الاحداث والسرد وفي نهايتها التي صدمتي
ردحذف