حتى اخر التسعينات كانت جدتي - الله يرحمها - ترسل لعمتي في امريكا قبل اي مناسبه بشهر على الاقل خطابات تهنئه لكي تصل في موعدها لكن للاسف كانت كتيييير تصل متأخره ! يعني تهنئه عيد الفطر مثلا تصل بعده باسبوع على الاقل وتفقد طعمها والمثل بيقول "بعد العيد مفيش كحك J ! لذلك بعد دخول بلدنا عصر المعلومه "وانخراطها "في العولمه - بدون استعداد وعن ضعف في الهويه - نتيجه ثوره الاتصالات الهااااائله اصبحت تقول لصاحبك انشالله يكون في الصين صباح الخير يرد في نفس الفيمتوثانيه صباح القشطه صوت وصوره كمان ! يعني اصبح العالم كله ليس فقط "قريه صغير" بل اصبح "حجره صغيره" بدون صاله كمان ! ، اصبح العالم كله واحد يستفيدون من خبرات بعضهم ، ويحرض بعضه ضد اي ظلم وفساد ، ويقوي من رغبته في ان يعيش انسان ذو كرامه ويقول " اشمعنى انا ".
والعولمه في تعريفها - اللي ميختلفش عليه اثنين في ايجابيته - هي "عملية يتم من خلالها تعزيز الترابط بين شعوب العالم في إطار مجتمع واحد لكي تتضافر جهودهم معًا نحو الأفضل" ، ولكن التعريف الذي اراه يجسد الواقع هو "العمل على تعميم نمط حضاري يخص بلداً بعينه ، وهو الولايات المتحدة الأمريكية بالذات ، على بلدان العالم أجمع" وهذا التعريف الاخير هو مايسعى اليه القطب الاوحد خصوصا بعد انهيار صور برلين وانتهاء الفكر الاشتراكي 1989 العدو اللدود للراسماليه . هذا القطب الذي يريد السيطره على العالم بكافه الاشكال ولا يهتم سوى بمصلحته فقط رافعا الشعار المكيافيلي "الغايه تبرر الوسيله"! هذا القطب الذي يعقد الاتفاقيات الدوليه لرفع العوائق امام الشركات عابره القارات لفرض منتجاتها على العالم ليصبح العالم كله "يوني فورم واحد"! يخدم بهذا التشابه اقتصاد بلده فقط ويعلن الحرب بما اوتي من قوه على اي اختلاف عما يريد ان يروجه من منتجات لتصبح نمط منتجاته وثقافته هي المستهلكه في العالم كله ! بل وينافس ويقتل المنتجات المحليه لاي دوله - يعني عم عبده البقال اصبح ينافس وول مارت في امريكا !- هذا التفكير في فرض التشابه في الاستهلاك والمنتجات هناك من يستجيب له وينخرط فيه بكل سهوله ويسر وعن رضا كمان زاعما ان ذلك الانخراط "الكامل" هو الحداثه والتقدم ومتمردا على هويته الثقافيه والحضاريه . وهناك الكثير والكثير من الامثله على هذا "الانخراط الاعمى" فمثلا التحول في طعامنا المصري اصلي المتواجد على مائده الطعام الملتف حولها الاسره المتغلغه في ثقافتنا الي طعام "التك اوي" الذي يفرق شمل الاسره عن بعضهم البعض ! ، بجانب نوعيه وشكل الملبس الذي نرتديه مهما كانت مخالفته لاي تقاليد فقط الرد يكون " الموضه كده يامتخلف "! فنحن نقلد تقليد اعمى بلا اي تفكير ونخلط الامور دون التفرقه بين مفهومين مهمين هما (العالميه ، العولمه) فالعالميه هي " انفتاح على العالم ، واحتكاك بالثقافات العالمية مع الاحتفاظ بخصوصية الأمة وفكرها وثقافتها وقيمها ومبادئها ، فالعالمية إثراء للفكر وتبادل للمعرفة مع الاعتراف المتبادل بالآخر (دون فقدان الهوية الذاتية) " فمثلا اليابان- ثاني اكبر اقتصاد في العالم - بعد سقوط القنبله الذريه على "هيروشيما ونجازاكي" اعادت بناء الدوله باستفادها من تقدم الولايات المتحده الامريكيه في التكنولوجيا والاداره والهدف كان واضح امامها وهو "الاخذ من الاخر المفيد مع الاحتفاظ بهويتها الثقافيه والتراثيه " .
وهذا التقليد الاعمى للغرب ناتج من الشعور بالضعف ومحاوله الاستقواء بالاخر للخروج من عباءه التخلف والتمرد على الواقع ولكن ليس هذا هو الحل لان هذا الاستقواء كالرافض فقر وعيشه امه وابوه اللذان قاموا بتربيته ويسعى الي رجل غني يطلب منه ان يتبناه ! لكن شعوره بالتبني سيشعره بالغربه - والغربه كربه - حتى اذا كان يظهر عكس ذلك ! حتى اذا تبناه فهو في النهايه ليس ابنه ولن يورثه صحيح حيتمتع بخيره ولكن حيتمتع فقط اثناء حياته ولن يتبقى له في النهايه سوى ابواه لان " اللي ملوش خير في اهله ملوش خير في حد "!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق