1
" وفيها ايه مالغايه تبرر الوسيله!" تلك الجمله رددها خالد بك عبد الوهاب وهو جالس في حجره مكتب فيلته القائمه على جبل المقطم وهو يحتسى فنجان القهوه وينظر باستمتاع بمنظر حلم طوال حياته ان يراه ان يرى الناس صغيره وهو من اعلى قمه الجبل . ومع ترديد تلك الكلمات ظهر شريط حياته كأنه شريط سينمائي يعرض حياته كلها بكل مراحلها المره والحلوه فتذكر طفولته التي لم يعيشها مثل بقيه زملائه واصدقائه وتذكر حرمانه من ابسط الاشياء التي يستمتع بها اي طفل نظرا لفقر والديه فقد كان والده موظف بسيط في وزاره الاستثمار يرى كل يوم مظاهر الترف والثراء على العاملين في الوزاره ثم يسمع وعود سياده الوزير محمود محي الدين عن تنميه الصعيد مسقط راس عم عبد الوهاب .
2
تعلم خالد في مدارس حكوميه وكان متفوق رغم فقره فكان يفعل كل مافي استطاعته لهدف واحد وواضح امامه وهو انه يخرج من الفقر الذي ولد فيه ولم يكن لديه اي اختيار فنشأ لديه الوعي وتحمل المسئوليه مبكرا ، تحمل تلميحات وتصريحات اصدقائه في التريقه على ملبسه ونوع الاكل الذي كان ياتي به للمدرسه ، ورغم تفوقه العلمي الا انه لم يشفع له في احترام زملائه له بل كل ماكان يهمهم هو المظهر دون النظر الي جوهره واحيانا كانوا يستهزئوا به لانه يذكرهم بفشلهم !
انهى خالد تعليمه الثانوي بمجموع 98 % جعله يدخل كليه الطب بدافع علاج الفقراء الذي هو واحد منهم والذين لايملكون حق العلاج كما راى امه التي توفت بسبب المرض اللعين الذي سلب منها بهجه ومتعه الحياه اكثر مما تعاني من الفقر فتوفت وتركت في نفسه الما كبيرا وجرحا عميقا جعله يقول في كل محنه يتعرض لها " يلعن ابو الفقر ، هو مش عايز يسبنا في حلنا هو مورهوش غيرنا "!. تفوق خالد في الكليه وعرف وسط اساتذته بتفوقه واخلاقه مما اثار حقد زملاء وحب واعجاب زميلته هدى البارودي بنت تاجر السلاح المعروف سيد بك البارودي . كانت هدى تنظر اليه باعجاب فاق الحدود ورغم تقارب السن بينهما الا انها اخذته مثل اعلى لها في الطموح والاخلاق ووجدت فيه شهامه ورجوله لم ترى مثلها من قبل تلك الرجوله جعلتها تنجذب اليه انجذاب غير عادي واصبحت لاترى رجل غيره في الحياه ومع كل موقف بينهم ، ونجاح له كان تزداد اعجابا به حتى احبته ولكنها لم تكن تملك الجرئه ولا الشجاعه التي تجعلها تصرح وتنطق كلمه " بحبك" فالمجتمع لم يسمح للمراه بان حينما تعجب برجل وتحبه ان تصرح له بذلك الحب فهي تتعذب بحبها افضل بكثيير من ان تتعذب من نظرات الناس اليها في اعتقاد ان ذلك يقلل منها ومن كرامتها ! فلن تجد هدى حل الا انها تلمح له وتجذبه اليها بجمالها ورقتها وانوثتها التي ترقق قلب الحجر ومع ذلك فان انوثتها لم تجذب خالد حيث ان ذلك الجمال كان له عنصر نفر وليس جذب فهو يرى ان البنت الجميله من هذا النوع جذاب للمشاكل ويثير الغيره الشديده لديه تلك الغيره القادره على افشال افضل العلاقات نجاحا ولكن هذا لم يكن السبب الاساسي الذي جعله لا يبادلها مشاعر الاعجاب والحب فالسبب الاساسي هو انه لم يكن يعلم ماذا سيأتي به المستقبل فالماضي كله الم وجراح بالاضافه الي انه يعلم غنى والدها وانه لن يرضى به رغم تفوقه واخلاقه فهو تعود منذ صغره وترسخ بداخله ان الدنيا مظاهر وخداع ! فهو يعلم نهايه العلاقه من هذا النوع وهو الفراق الذي يمزق القلوب ويجعلها اسيره للاحزان . ولكنه قبل ان يتخذ قراره جاء صوتان بداخله يتحدثان سويا ويقولا " انت يابني عبيط ووش فقر في حد يرفس النعمه برجله مال وجمال وحسب ونسب انت عايز ايه تاني !؟ دي بفلوس ابوها حتخرجكك من الفقر اللي عايش فيه ده وتحققق كل احلامك دي فرصه يابني " رد الصوت الاخر وقال " ازاي يعني تعتمد على فلوس واحده بنت هي مش حتتجوز راجل!؟ دي من قوامه الرجل انه يصرف على بيته ، وبعدين انت طموح ومتفوق وعندك احلام وهدف وبكره حتحققها " رد الاخر بعنف " موت ياحمار " اختار خالد ان يركز في دراسته متلاشيا اي عقبات تواجهه وساعده على ذلك عزيمته واصراره على النجاح الذي كان حليفه طوال حياته .
3
جاءت السنه النهائيه ونجح وتخرج بتقدير امتياز ذلك التقدير الذي يجعل له الحق في انه يعين معيدا بالكليه ولكن رغم تقديره وثناء اساتذته واخلاقه الرائعه الا انه كانت هناك عقبه قد تدمر حلمه وهدفه وهو الدكتور حازم عميد الكليه الذي عرف بانحلاله الاخلاقي بين زملائه ولكنه كان احد اقارب السيد الوزير لذلك فلم يستطع احد ان ينزعه من مكانه . فقبل ان يتم موافقته على تعيين احد الطلبه يجلس مع كل طالب في مكتبه على حدى ثم بعد تلك الجلسه يتقرر مصيره بان يصبح معيد ام لا فهناك جلسات تأخذ 5 دقائق وهناك جلسات تستمر قرابه الساعه . انزعج خالد لتاخر قرار تعينه فهو كان الامل له في ان يخرج من فقره فكونه معيد سوف يساعده ذلك على ايجاد لقمه العيش ويتفرغ الي دراسته العليا بجانب انه سياخذ خبره تساعده ليصبح طبيب شهير يحقق بدخله ثروه ويحقق احلامه استفسر خالد من زملائه القدماء عن سبب تأخر قرار تعينه اجمعوا على كلمه واحده "لازم د. حازم يشوفك ويقعد معاك " استعجب خالد وقال " طيب وايه يعني ميقعد وفيها ايه !؟ " نظر زملائه لبعضهم وتبسموا ونظروا في الارض ولم يعلقوا . قرر خالد ان يدخل ويقابل د. حازم . طرق خالد الباب وقال " صباح الخير يادكتور " لم يرد ونظر اليه نظره تفحص متعمقه من تحت نظارته وبعد خمس دقائق سمع صوت عالى يبدوا انه شجار بين خالد ، د. حازم انتهى الامر بفتح باب المكتب من قبل خالد في غضب وقوه ومشي حتى خرج من باب الكليه . لم يبادر احد ليسأل عن سبب الشجار فالكل يعلم السبب .جلس خالد في منزله يسترجع ايام حياته كلها التي لم يكون فيها شئ حلو سوى تخرجه بامتياز الذي راى انه سيعوضه عما يشعر به طوال حياته ووضع كل ذلك في كفه وماقاله له د. حازم في كفه ثانيه ووازن الامور وعاد الصوتان من داخله مره اخرى يتحدثان سويا قال الاول " وفيها ايه لما تتنازل شويه الحياه تضحيه ولازم تضحى علشان حلمك حتى لما الفرصه جت لغايه عندك للمره الثانيه برده حترفسها برجلك ده انت كده بجد وش فقر" رد الاخر وقال " اللي بيتنازل مره عن مبادئه بيتنازل على طول ويعيش مكسور الكرامه طول عمره" كان عليه ان يتخذ القرار في هذا الوقت حتى يرد على د. حازم فيما عرض عليه فكر كثيرا ثم قرر ان يستجيب لما عرضه عليه ثم ذهب الي الكليه وطرق الباب وقال صباح الخير يادكتور ثم نظر في الارض واستغرقت الجلسه اكثر من ساعتين وهو اكثر من الوقت المعتاد للجلوس ! في اليوم التالي نظرت زميلته هدى التي لم تنساه ابدا والتي كانت تنظر اليه من بعيد بعد ان صدمها ولم يبادلها حبا فختارت ان تنظر اليه والي نجاحه حيث انه بالنسبه لها مصدر الهام ومثل اعلى ولكن احست بعكس تلك المشاعر عندما نظرت في كشف الطلبه المعينين في الكليه ووجدت اسم خالد اول اسم في الكشف شعرت بصدمه خصوصا انها تعرف ثمن التعيين مشيت مسرعه من الكليه والدموع تنهار من عينها فصتدمت بخالد فقال لها " صباح الخير ياهدى" لم ترد عليه بل نظرت اليه نظره عتاب وضيق ولم تنطق بكلمه واحده ثم انطلقت مسرعه الي سيارتها وتلاشت حتى اختفت تماما .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق