1
"الديمقراطيه لها انياب ياذكي هي وصلت للشتيمه ياذكي ! أدي اللي اخذناه من الديمقراطيه ! هو الشعب ده كده مينفعش معاه الا الكرباج !" تلك الكلمات عبر بها السيد جابر عبد القوي رئيس جمهوريه الموز لمساعده وسكرتيره الخاص "ذكي سالم" بعد ان قرا بالصدفه عده مقالات في صحيفه معارضه عن سياساته القمعيه ونظامه الفاسد الذي بدا بدايه سليمه خاليه من اي فساد او قمع ففي بدايه ترشيحه عقد عده مؤتمرات واخذ يتكلم هنا وهناك عن مزايا الديمقراطيه ووعد بكثير من الاحلام والرفاهيه للشعب الذي ذاق المر طوال عقود كثيره فاطمئن له الشعب وارتاحوا له واعطوا له صوتهم على امل ان يشعرون بحريتهم التي تجعلهم يعيشون مرفوعون الرأس بين اقرانهم من بني البشر فنتهت الانتخابات حينها بفوز السيد جابر باغلبيه ساحقه واصبح رئيسا للبلاد .
2
كانت الفتره الاولى من حكمه والتي امتدت اربعه سنوات فتره رائعه حيث عمل بكل جد واجتهاد واخلاص في اصلاح ماافسدته الانظمه السابقه في الحكم وعمل على محاربه الفساد الذي انتشر في البلاد حتى اصبح جزء لا يتجزأ من اساسيات الوطن ! فصفق له الشعب وهتف بحياته عندما احسوا ان الفساد بدا يتلاشى ويختفي من حياتهم وان حريتهم بدات تعود اليهم من جديد وساعد على ذلك مقالات الكاتب الصحفي (امام السيد) رئيس تحرير جريده "الوطن" الذي اخذ يتكلم عن ديمقراطيه السيد الرئيس ومزاياه وانجازاته في محاربه الفساد وانه يصنع مجد الوطن وان لولاه كان الشعب قد اصبح في تعداد الاموات ! ثم اصبحت عاده له بعد ان لاقى استحسان من السيد الرئيس وحاشيته واخذ يكتب مقال اسبوعي في مدح السيد الرئيس واصطياد اي خبر عنه حتى اذا شرب فنجان من القهوه اخذ يكتب عن انجازات السيد جابر في انعاش الاقتصاد وفتح الاسواق لاستيراد افضل انواع البن الذي يحيه عليه شعبه ويشكره ! اخذت تلك النبره تزداد يوم بعد يوم حيث كانت مقاله "امام السيد" الاسبوعيه هي راس الحربه التي جعلت بعض الناس الذين يريدون التألق والظهور يكتبون مثلها او يتكلمون في وسائل الاعلام عن مزايا "ديمقراطيه" السيد الرئيس وعن انجازاته التي لم تشهدها البلاد من قبل . احب السيد جابر تلك النبره والهتاف بحياته حتى ادمنها ولم يعد يرى في نفسه اي عيوب او نقص حتى شعر بالقوه وأنه من العظماء يعمل بكل جد واجتهاد لراحه الناس وانه مهموم بالمواطن الغلبان !
3
كان عم على بائع الجرائد في احدى المناطق الفقيره اقوى مثال للمواطن الغلبان فهو رجل كبير السن مثقف فكان يعمل صحفي في احدى الجرائد الحكوميه ولكنه كان يمتلك ضمير حي جعله ينطق بالحق حتى لو كان سيقضي على حياته فلم يستطيع رؤسائه تحمله فتأمروا عليه حتى تم اقالته من وظيفته. احس حينها ان زمن الحق قد فات وشعر بالغربه في دنيا الاكاذيب فاصبح حر نفسه مجرد بائع جرائد ويطلع غله في حجر الشيشه! كان لديه 4 ابناء في المراحل التعليمه المختلفه ولكنه عندما يقابل ابناءه يقول لهم "انتوا يعني حتطلعوا ايه هو حد لاقي شغل ولاد القحبه دول خلاص قضوا على البلد وخلاص البلد دي اصبحت بلا مستقبل لها ماضي فقط وحتى الماضي اللي سبوه الاجداد باعوه هو كمان ! خلاص خربوها وهما عايزين كده حتى التعليم اللي بتتعلموه ملوش اي لزمه يبعد عن متطلبات العصر ب50 سنه ضوئيه ! بلا خيبه بس اديكوا بتتعلموا وهي مجرد شهاده وخلاص واجهه اجتماعيه لااكتر ولا اقل !". عاصر عم على كل الانظمه الحاكمه وعاصر كيف تغير السلطه الافراد وتعلم انه ليس هناك شئ دائم لان الدوام لله وحده فهو ينظر الي تصريحات الوزراء وحاشيه السيد جابر بل الي تصريحات السيد جابر نفسه ويقول " ياولاد الكلب انتوا بتتكلموا عن انهى بلد بالظبط ! انتوا مش شايفين القرف اللي احنا فيه ده ! صحيح اللي اختشوا ماتوا " كل القرف الذي يتكلم عنه عم على وامثاله لم يكن يصل الي السيد جابر بل كانت تصل اليه كافه الاخبار التي تبين له انه على صواب وان الشعب عايش ومبسوط 24 قيراط بل ويسبحون بحمده ! خصوصا انه لم يكلف نفسه ليرى معاناه الناس بنفسه بل كان يعتمد في حكمه على تقارير تعد جيدا قبل ان يراها تراعي مصلحه من يعدها ويجهزها قبل ان يطلع عليها فكانت تعد من جانب مجموعه اصحاب المصالح من اول ذراعه اليمين الي اصغر وزير له وكل شخص فيهم يعمل ليس فقط لنفسه بل لاحفاد احفاده !
4
افتتحت جريده "الحق " وهي جريده معارضه لحكمه وسياساته وقمعه للحريه التي وعد بها المواطنيين في بدايه عهده فاصبحت صوت الحق تعبرعن هموم المواطن الحقيقيه . على صوت تلك الجريده ولاقت استحسان الكثير فهي تعبر عما يجول بداخلهم من هموم واحزان فزدادت نجاح واخذت ترصد الفساد وتنادي بالتغيير الذي بات شئ صعب تحقيقه حيث صرح السيد جابر عبد القوي في عده لقاءات اعلاميه وقال " انا مش حسيب حكم البلد حتى اقابل وجه الكريم انا اخذت عهد على نفسي ان الشعب ده مسئول مني وانا مهموم به ولو في حد بينادي بالتغييير واني اسيب الحكم يبقى حسيبه باراده الشعب اللي اخترني اكون راعي لمصالحه ومهموم باحتياجاته " تلك الكلمات التي روج اليها الاعلام بسرعه البرق لم يكن احد يملك فيها اي قرار فموته في يد المولى عز وجل ، واراده الشعب اصبحت غائبه سلبت منه وحل محلها الفساد الذي انتشر في البلاد كنتشار السرطان في جسم الانسان الذي يسلب منه بهجه ومتعه الحياه ! . عام بعد عام وجريده "الحق" تزداد نجاحا واصبح لها جمهور واسع وكلمه مسموعه عند القراء اخافت نظام السيد جابر على كرسي الحكم الذي يشبه المخدرات التي تسبب للانسان متعه مؤقته وتجعله عبد لها. فلم يعد أمام النظام الا اغلاق تلك الجريده بحجه تاخرها عن دفع الضرائب المستحقه عليها نظرا لانها لم تكن تحقق ايه ارباح فقط كانت تأتي بمصروفاتها فقط ولم تتمكن من جذب ايه اعلانات نظرا لخوف اصحاب الشركات المعلنه ان تعلن عندها! فاغلقت الجريده حتى لاتسبب ازعاج اكثر من هذا فارادوا اغتيالها فالشعب الجاهل يسهل قيادته والتأثير فيه بشكل كبير وتوجهه نحو المنطقه المراد ان يوجهه اليها ! . ظن هذا النظام القمعي ان الموضوع قد انتهى بهذه الطريقه الا انهم بعد فتره بسيطه فوجؤا بجرائد اخرى معارضه تنادي بالتغيير الا ان هذه المره لم يسعى النظام الي المواجهه والهجوم على تلك الجرائد بل احتضنها في بدايه الامر وجلس "ذكي سالم" مع رؤساء تحرير تلك الجرائد وعقد معهم صفقه فقال " بصوا بقى انتوا عارفين اللي حصل "لعاصي" رئيس تحرير جريده الحق دماغه كانت ناشفه ومرضيش يتعاون معانا ياريت تتعونوا والا مصيركم حيكون زيه " رد رئيس تحرير جريده الجمهوريه اليوم وقال " يااستاذ ذكي احنا بنعبر عن صوت الناس الغلبانه والشعب اللي عايز يعيش بكرامه في وطنه " رد ذكي بحده وقال " شعب ايه وناس مين انتوا عايزين تطلعوا ابطال ومناضلين على حسابنا تعاونوا معانا احسن " نظر رؤساء التحرير لبعضهم البعض بدون ان ينطقوا باي كلمه واتفقوا اتفاق ضمني على الموافقه والتعاون مع النظام فتسائل احدهم وقال " "وحضرتك عايز التعاون ده يكون ازاي ؟؟" تبسم ذكي سالم ابتسامه ماكره تدل على الثقه والانتصار وقال " شوف ياعزيزي انتوا اتعرفتوا انكم جرائد معارضه لنظام الحكم تمام كده حتفضلوا كده بس حتكونوا تحت عنينا وتعارضوا اللي نقول لكم عليه وتوجهوا الناس للحته اللي احنا عايزنها واللي متأثرش على مصالحنا . اتفقنا ؟؟" رد الجميع في نفس واحد "اتفقنا".
5
مرت الايام وحال البلد يزداد سوءا واصبح المواطن مجبور على امره ولم يعد يعرف ماذا يفعل خصوصا ان الحكومه تطلع عليه من حين لاخر تلومه وتقول له انت السبب فيما يحدث للبلد وان البلد قدمت لك الكثير والكثير وانت ناكر للجميل ومش عايز تتعاون لاصلاح نفسك والبلد ! . صدق المواطن تلك العبارات خصوصا ان نظام التعليم في البلد لم يعطي له فرصه ان يكون لديه العقل النقدي التحليلي الذي يجعله يفكر بشكل علمي منطقي عن ان السبب في خراب البلد ليس هو بل "مؤسسه الفساد" التي يديرها حفنه من الانتهازيين الذين يعملون لمصلحتهم رافعين الشعار النفعي "الانانيه مبدا الحياه الانسانيه " ويسيرون على منهج ميكافيلي "الغايه تبرر الوسيله" فلم يعد امامه سوى ان يصدق تلك العبارات ويعلق ويقول " هو انا حعرف اكتر من الحكومه هما صح " فختار الرحيل من البلد حتى يريح بلده من قله حيلته وهمومه التي اصبحت ثقيله عليها باي وسيله كانت حتى لو هجر بطريقه غير شرعيه على قوارب غير صالحه للابحار وفي هذه الحاله فهو الانتحار . كانت تعلق الحكومه على من يهاجرون وينتحرون " ادي الله وادي حكمته احنا مقلناش لحد سافر ولا انتحر واللي عايز يسافر براحته بلاد الله واسعه وبعدين مفيش ام بتطرد ولادها !" اصبحت الحكومه والنظام كله وكانهم بلا خطيئه لايعترفون باي خطأ يحدث في البلاد ولايحاسبون انفسهم بل ينظرون فقط الي مصلحتهم وينعمون وحدهم بالخير ورغد العيش ولا يشعرون بالنار التي ينكوي بها الشعب !.
6
كان السيد جابر مخدر بالكلمات العطره التي يسمعها من حاشيته والتقارير المصطنعه واحيانا كان يرى الفساد ولكنه كان يتغاضى عنه بل وصل الامر الي انه لم يعد يريد ان يبحث عن الحقيقه الغائبه ومعرفه مايدور في البلد من وراء ظهره فكلما هم لكي يبحث عن الحقيقه يسمع صوت يناديه ويقول له " انت حتدور ليه دي البلد عال العال خليك في مكانك وكل شئ بيجي لغايه عندك ياعم هو في حد يكره العز ده !؟؟ انت شفت ايام سوده في طفولتك من الفقر وقله الحيله خليك قاعد زي مانت لانك لو دورت يمكن تلاقي اخطاء وساعتها بقى ياحلو حتنزل من على الكرسي وحتتحرم من العز ده ويبقى انت كده وش فقر " . كان جابر قليلا مايجلس مع نفسه ويختلى بها خوفا من مواجهه ضميره الذي تلاشى دوره في توجهه نحو الحق والصواب ولكن في يوم نظر الي نفسه في المراه نظره غريبه وقال " يااااااه ده الزمن اثر فيا اااوي الشعر الابيض بقى في كل حته في راسي ! شكلك عجزت ياواد ياجابر " رد عليه صوت قوي وقال له " ده مش عجز وشيخوخه ياجابر ده عقاب ربنا على اللي عملته في شعبك من قمع وجبر وظلم وقسوه " نظر حوله ليرى من يتكلم فهو لم يتعود من فتره طويله ان يكون هناك شخص ينقده بهذه الطريقه فلم يرى احد سوى زوجته فسالها في شك وحيره " قوليلي ياصافي هو انا عملت حاجه غلط في حق شعبي ؟؟ انت مراتي حببتي ومرايتي " صمتت قليلا ثم قالت " ايه اللي بتقوله ده ياحبيبي ده انت بتشتغل ليل نهار علشان خاطر المواطن الغلبان بلاش كلام فارغ وشك! وبعدين مين قالك انك مقصر في حاجه؟ ده شعبك بيحبك ويتمتع بانجازاتك اللي معيشاه في هنا وسعاده " علق جابر بهدوء وقال "عندك حق ".
7
مرت الايام وجابر لايفارقه سؤال دائم واصبح كالشبح يطارده في كل مكان حتى في احلامه "هل انا بهذا الكمال وبلا اخطاء فعلا زي ماالناس اللي حوليا بتقول ؟؟ ولا عندي اخطاء وعيوب ومش شيفها ؟ اكيد في اخطاء اصل مفيش بني ادم كامل! بس هي فين !؟ اكيد دي هلاوس! بطل هبل ياواد ياجابر " . وذات يوم حدث شئ بالصدفه فدخل مكتبه كعادته في الصباح الباكر ليقرا ماكتبه "امام السيد" في مقالته الاسبوعيه ففوجأ بصحيفه معارضه على مكتب سكرتيره الخاص تنقد سياساته التي تنحاز وبشده الي الطبقه الغنيه وتتجاهل المواطن الغلبان حتى وصل النقد الي ذاته وقدراته المحدوده ، وحاشيته الفاسده فعلى صوته ونادي وقال " ياااااذكي " جاء وقال له " أأمر ياريس؟؟" رد وقال في نظره غاضبه " هي وصلت للشتيمه ياذكي !؟؟ هي دي الديمقراطيه ياذكي !؟؟ هي دي مكافاه الشعب على اللي بعمله له !؟ ده انا معنديش تفكير ولا مهموم الا بالمواطن الغلبان !؟ . رد عليه ذكي وقال" دول شويه حقودين ياريس واعداء النجاح" رد وقال "اااااخرس اطلع بره اااااااطلع بره سبني لوحدي " استجاب ذكي لطلب جابر وجلس مع نفسه وظهر الصوت القوي وقال له " انت مش كنت عايز تعرف انك خطأ في ايه بالظبط ؟ ادي الاجابه جتلك لغايه عندك وده عقاب لك انت اخذك الغرور والعز والشيطان عماك ولم تبحث عن الحقيقه اللي مكنتش عايز تشوفها ودي مجرد شراره وماخفي كان اعظم " امر جابر باجتماع عاجل وطارئ للساده الوزراء وعلى راسهم سكرتيره الخاص ذكي سالم ليرى بنفسه كم التجاوزات التي تحدث في بلاده ولكن هذا القرار جاء متاخرا لسبب جبري وقهري ليس في يده ان يفعل فيه شئ حيث انتقل الي رحاب الله وكل هذا كان يقراه بامر من الله وهو يقول له " اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق